حسن الأمين

355

مستدركات أعيان الشيعة

وعند ذلك أرسل ( هولاكو ) ، إلى حاكم مصر الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبد الله المعزي إنذارا رهيبا حمله واحد وأربعون رجلا من رجاله الغلاظ الشداد ، هذا نصه : « إن الله تعالى قد رفع شان جنكيز خان وأسرته ، ومنحنا ممالك الأرض برمتها ، وكل من يتمرد علينا ويعصي أمرنا يقضى عليه مع نسائه وأبنائه وأقاربه والمتصلبن به وبلاده ورعاياه ، كما بلغ ذلك أسماع الجميع . أما صيت جيشنا ، الذي لا حصر له فقد بلغ الشهرة كقصة رستم وإسفنديار . فإذا كنت مطيعا كخدم حضرتنا ، فأرسل إلينا الجزية ، وأقدم بنفسك لطلب الشحنة ، وإلا فكن مستعدا للقتال « . هذا هو الإنذار المخيف الذي حمله الواحد والأربعون مغوليا إلى الحاكم المصري ، وهذا هو التهديد المروع الذي وصل إلى القاهرة . وقد كانت كل جملة في هذا الإنذار صحيحة صادقة ، فقد دانت لهم ممالك الأرض ، وكل من تمرد عليهم قضي عليه وخربت بلاده . وكبراء الناس قد صاروا خدم الحضرة المغولية . وهبط الوفد مصر جبارا متكبرا ، يزلزل بروعته العزائم ويوهي الهمم . هبط مصر وهبط معه تاريخ أسود من الانتصارات الكاسحة ، وماض بشع من التسلط المهول ، كانا كافيين للتسليم والخذلان . كان الأمر أخطر من أن يقطع به إنسان واحد ، وكانت مصر آخر معقل ، فإذا هوت لم تقم بعدها قائمة . لذلك لم يجرؤ رجل فرد ، مهما أوتي من سداد الرأي وقوة العزم أن ينفرد بالقرار . وهنا كانت الدعوة إلى ما يمكن أن نسميه ( مؤتمر قمة ) ، مؤتمر قمة لا بمقاييسنا في هذا العصر ، بل بمقاييس ذلك الزمان . لم يكن المدعوون إليه من أصحاب الجلالة والفخامة والسمو والسيادة ، ممن لم يكن لهم وجود يومئذ ، بل كان المدعوون إليه حكام المناطق المصرية ، وأمراء الجيش ، مضافا إليهم من انهزموا أمام المغول من حكام البلاد الأخرى ولجئوا إلى مصر . دعا إلى مؤتمر القمة هذا ، ملك مصر سيف الدين قطز . وقد حفظت لنا بعض المصادر ما يمكن أن نسميه محضرا لما جرى من النقاش والتداول في الجلسة الوحيدة التي عقدها المؤتمرون . افتتح المؤتمر الملك المصري متكلما بصراحة يقتضيها الموقف الخطير الذي وصلت إليه البلاد ، فقال : « لقد توجه هولاكو من طوران إلى إيران بجيش جرار ، ولم يكن لأي مخلوق من الخلفاء والسلاطين والملوك طاقة على مقاومته ، واستولى على جميع البلاد ، ثم جاء إلى دمشق ولو لم يبلغه نعي أخيه لألحق مصر بالبلاد الأخرى ، ومع هذا فقد ترك في هذه النواحي ( كيتو بوقا ) ، وهو كالأسد الهصور والتنين القوي في الكمين ، وإذا قصد مصر فلن يكون لأحد قدرة على مقاومته ، فيجب أن تتدبروا الأمر قبل فوات الفرصة » . لقد كان الملك سيف الدين قطز يعرف أن أكثر المؤتمرين انهزاميون قد استولت عليهم الرهبة من المغول ، وأنهم ميالون إلى التسليم ، ولم يكن هذا من رأيه ، بل كان رأيه المقاومة والقتال ، وخشي إذا طرح الأمر على التصويت أن ينتهي التصويت إلى صالح الانهزاميين . لذلك بدا من كلمته أنه هو الآخر ميال إلى التسليم ، فاطمان الانهزاميون إلى قراره ، فلم يحزموا أمرهم ويكتلوا قوتهم بل ظل موقفهم مائعا بعض كما سنرى في الآتي من القول : وقد كان في المؤتمرين رجل واحد قوي النفس ، لم تؤثر في قوته انتصارات المغول المتتابعة ، ولا أضعف يقينه التهديد والوعيد ، فلما لمس لينا في موقف رئيس المؤتمر ، ولمح في كلمته امارات الانهزام النفسي ، تصدى له بقوة وحزم . هذا الرجل هو ناصر الدين القيمري الذي رد على كلمة الرئيس بما يلي : « ان البلاد الممتدة من تخوم الصين إلى باب مصر هي الآن كلها في قبضة هولاكو ، فلو ذهبنا إليه لطلب الأمان فليس في ذلك عيب وعار ، ولكن تناول السم بخداع النفس واستقبال الموت أمران بعيدان عن حكم العقل . انه ليس بالإنسان الذي يطمان إليه ، وهو لا يفي بعهده وميثاقه ، فإنه قتل فجاة خور شاه ، وحسام الدين عكة ، وصاحب اربل بعد أن أعطاهم العهد والميثاق ، فإذا سرنا إليه فسيكون مصيرنا مصيرهم » . فلم يرد أحد من الانهزاميين على ناصر الدين القيمري وتركوا أمر مصاولته إلى رئيس المؤتمر بعد أن صار في ظنهم أنه في صفهم . وبالفعل تولى الرئيس بنفسه الرد على القيمري . وانحصر النقاش في المؤتمر بين الاثنين القويين : سيف الدين قطز ، وناصر الدين القيمري . فرد الرئيس على القيمري قائلا : « ان كافة بلاد ديار بكر وربيعة والشام ممتلئة بالمناحات والفجائع . وأضحت البلاد من بغداد حتى الروم خرابا ويبايا . وقد قضي على جميع من فيها من حرث ونسل ، فلو اننا تقدمنا لقتالهم فسوف تخرب مصر خرابا تاما كغيرها . وينبغي أن نختار مع هذه الجماعة التي تريد بلادنا ، واحدا من ثلاثة : الصلح أو القتال أو الجلاء عن الوطن . أما الجلاء عن الوطن فأمر متعذر ، وذلك لأنه لا يمكن أن نجد مقرا لنا إلا المغرب وبيننا وبينه مسافات بعيدة « . يبدو الملك سيف الدين قطز من هذا الكلام على أعلى مستوى من الحنكة والدهاء السياسي ، بل يبدو دبلوماسيا قديرا يعرف كيف يناور ويحاور ، ثم يحتفظ بالموقف السليم الثابت لآخر لحظة ، هي اللحظة الحاسمة . لقد قال إن أمامهم ثلاثة خيارات : الجلاء أو التسليم أو الحرب . ثم يرهن أن الجلاء غير ممكن ، وقد كان عليه بحسب ظاهر الحال أن يبين رأيه في الخيارين الآخرين ، ولكنه لم يفعل . انه أراد أن لا يفاجئ الانهزاميين برأيه في وجوب المقاومة لئلا يهبوا في وجهه هبة واحدة وهم أكثرية الحاضرين : بل ترك ذلك لناصر الدين القيمري ليزداد الانهزاميون اطمئنانا إلى موقفه هو . لقد أسقط هو الخيار الأول ( الجلاء ) ، فكان لزاما على ناصر الدين القيمري أن يتولى إسقاط خيار التسليم ، وقد كان ذلك ، فرد القيمري قائلا بحزم وثبات : « وليس هناك مصلحة أيضا في مصالحتهم إذ أنه لا يوثق بعهودهم » . وهنا التفت الرئيس إلى الانهزاميين ليقولوا كلمتهم ، فقالوها ولكنهم